حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

118

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

يعقوب من وقت فراق يوسف إلى حين لقائه ثمانين عاما وما على وجه الأرض أكرم على اللّه من يعقوب . وعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه سأل جبريل ما بلغ من وجد يعقوب على يوسف ؟ وجد سبعين ثكلى . قال : فما كان له من الأجر ؟ قال : أجر مائة شهيد وما ساء ظنه باللّه ساعة قط . ونقل أن جبريل عليه السلام دخل على يوسف حين ما كان في السجن فقال : إن بصر أبيك ذهب من الحزن عليك . فوضع يوسف يده على رأسه وقال : ليت أمي لم تلدني فلم أكن حزنا على أبي ، قال أكثر أهل اللغة : الحزن والحزن لغتان بمعنى . وقال بعضهم : الحزن بالضم فالسكون البكاء ، والحزن بفتحتين ضد الفرح . وقد روى يونس عن أبي عمرو قال : إذا كان في موضع النصب فتحوا كقوله تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً [ التوبة : 92 ] . وإذا كان في موضع الجر أو الرفع ضموا كقوله من الحزن . وقوله : إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ قال : هو في موضع رفع بالابتداء . قيل : كيف جاز لنبي اللّه أن يبلغ به الجزع ذلك المبلغ ؟ وأجيب بأن المنهي من الجزع هو الصياح والنياحة وضرب الخد وشق الثوب لا البكاء ونفثة المصدور ، فلقد بكى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على ولده إبراهيم وقال : القلب يجزع والعين تدمع ولا نقول ما يسخط الرب وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون . ومما يدل على أن يعقوب عليه السلام أمسك لسانه عن النياحة وعما لا ينبغي قوله : فَهُوَ كَظِيمٌ « فعيل » بمعنى « مفعول » أي مملوء من الغيظ على أولاده من غير إظهار ما يسوءهم ، أو مملوء من الحزن مع سد طريق نفثة المصدور من كظم السقاء إذا شده على ملئه ، أو بمعنى الفاعل أي الممسك لحزنه غير مظهر إياه . والحاصل أنه غرق ثلاثة أعضاء شريفة منه في بحر المحنة : فاللسان كان مشغولا بذكر يا أَسَفى والعين كانت مستغرقة في البكاء ، والقلب كان مملوءا من الحزن . ومثل هذا إذا لم يكن بالاختيار لم يدخل تحت التكليف فلا يوجب العقاب . يروى أن ملك الموت دخل على يعقوب فقال له : جئتني لتقبضني قبل أن أرى حبيبي ؟ قال : لا ولكن جئت لأحزن لحزنك وأشجو لشجوك . عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لم تعط أمة من الأمم إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ عند المصيبة إلا أمة محمد ، ألا ترى إلى يعقوب حين أصابه ما أصابه لم يسترجع وإنما قال يا أسفا » وضعف هذه الرواية فخر الدين الرازي في تفسيره وقال : من المحال أن لا تعرف أمة من الأمم أن الكل من اللّه وأن الرجوع لا محالة إليه . وأقول : هذا نوع من المكابرة فإن منكري المبدأ والمعاد أكثر من حصباء الوادي ، على أن المراد من الإعطاء الإرشاد إلى هذا الذكر وخصوصا عند المصيبة وقد أخبر الصادق عليه السلام أن هذا مما خصت هذه الأمة به واللّه أعلم . قالُوا الأظهر أنهم ليسوا أولاده الذين تولى عنهم وإنما هم جماعة كانوا في الدار من خدمه وأولاد أولاده . تَاللَّهِ تَفْتَؤُا أراد « لا تفتؤ » فحذف حرف النفي